ابن أبي الحديد
89
شرح نهج البلاغة
آثروا : اختاروا . وأخروا : تركوا . الآجن : الماء المتغير . أجن الماء يأجن وآجن . وبسئ به : ألفه ، وناقة بسوء : ألفت الحالب ولا ( 1 ) تمنعه . وشابت عليه مفارقه : طال عهده به مذ زمن الصبا حتى صار شيخا . وصبغت به خلائقه ما صارت طبعا لان العادة طبيعة ثانية . مزبدا ، أي ذو زبد ، وهو ما يخرج من الفم كالرغوة ، يضرب مثلا للرجل الصائل المقتحم . والتيار : معظم اللجة ، والمراد به هاهنا السيل . والهشيم : دقاق الحطب . ولا يحفل ، بفتح حرف المضارعة ، لان الماضي ثلاثي ، أي لا يبالي . والابصار اللامحة : الناظرة . وتشاحوا : تضايقوا ، كل منهم يريد ألا يفوته ذلك ، وأصله الشح وهو البخل . فإن قلت : هذا الكلام يرجع إلى الصحابة الذين تقدم ذكرهم في أول الخطبة ؟ قلت : لا ، وإن زعم قوم أنه عناهم : بل هو إشارة إلى قوم ممن يأتي من الخلف بعد السلف ، ألا تراه قال : كأني أنظر إلى فاسقهم قد صحب المنكر فألفه ، وهذا اللفظ إنما يقال في حق من لم يوجد بعد ، كما قال في حق الأتراك : " كأني أنظر إليهم قوما كأن وجوههم المجان " ، وكما قال في حق صاحب الزنج : " كأني به يا أحنف قد سار في الجيش " ، وكما قال في الخطبة التي ذكرناها آنفا : " كأني به قد نعق بالشام " يعنى به عبد الملك . وحوشي عليه السلام أن يعنى بهذا الكلام الصحابة ، لأنهم ما آثروا العاجل ، ولا أخروا الاجل ولا صحبوا المنكر ، ولا أقبلوا كالتيار ، لا يبالي ما غرق ، ولا كالنار لا تبالي ما أحرقت ، ولا ازدحموا على الحطام ، ولا تشاحوا على الحرام ، ولا صرفوا عن الجنة وجوههم ، ولا أقبلوا
--> ( 1 ) ج : " فلا تمنعه " .